
مع دخول السويد موسم التخرج السنوي (Studenten)، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش العام: الهوية والانتماء. الشوارع تمتلئ بعربات التخرج (Studentflak)، الموسيقى مرتفعة، والفرح طاغٍ، لكن خلف هذه الأجواء الاحتفالية يظهر جدل متكرر حول الأعلام التي يختارها الطلاب لرفعها.
في السنوات الأخيرة، بات من اللافت أن عددًا متزايدًا من طلاب الثانوية، خاصة من ذوي الخلفيات المهاجرة، يختارون رفع أعلام بلدانهم الأصلية بدلًا من العلم السويدي. ظاهرة أثارت نقاشًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلام السويدي، بين من يراها تعبيرًا طبيعيًا عن الاعتزاز بالجذور، ومن يفسرها كإشارة إلى ضعف الانتماء الوطني.
“نرفع العلم من أجل أهلنا”… هكذا يشرح الطلاب
بالنسبة لكثير من الطالبات والطلاب من أصول سورية، عراقية، كردستانية، أفغانية، إريترية وصومالية، لا يحمل يوم التخرج أي رسالة سياسية.
الطلاب أنفسهم يشرحون الأمر ببساطة: رفع العلم هو تقدير رمزي للأهل.
- طالبة من أصول سورية تقول إن علم بلدها هو “طريقة لقول شكرًا لوالديّ اللذين تحملا الحرب واللجوء حتى أصل إلى هذه اللحظة”.
- طالب من العراق يشرح أن العلم لا يعني رفض السويد، بل “الاعتراف بالطريق الطويل الذي قطعته العائلة”.
- طالبة من كردستان ترى أن حمل العلم هو “احتفاء بالهوية الثقافية التي كبرنا عليها في البيت”.
- طلاب من أفغانستان، إريتريا، والصومال يكررون الفكرة نفسها: الاحتفال بالنجاح الشخصي لا ينفصل عن قصة العائلة.
من هذا المنظور، يصبح العلم وسيلة تعبير عاطفية، لا موقفًا من الدولة أو المجتمع.
قراءة أخرى: ماذا يعني غياب العلم السويدي؟
في المقابل، يرى منتقدو الظاهرة أن عدم رفع العلم السويدي قد يحمل رسالة مختلفة، مفادها أن السويد لم تتحول بعد إلى “وطن كامل” لدى بعض الطلاب وعائلاتهم.
هذا الطرح يلقى صدى لدى فئات تعتبر أن يوم التخرج، باعتباره محطة تعليمية داخل النظام السويدي، هو مناسبة طبيعية لرفع علم الدولة.

وتشير جامعة أوبسالا عبر باحثين في العلوم الاجتماعية إلى أن رفع الأعلام الأجنبية في احتفالات التخرج أصبح أكثر شيوعًا، ويرتبط بتغيرات أعمق في مفهوم الهوية لدى الجيل الثاني من المهاجرين، حيث تتعايش أكثر من هوية في الوقت نفسه.
موقف المدارس: السلوك أولًا
مديرو مدارس سويدية يوضحون أن القضية، من وجهة نظرهم، ليست في نوع العلم بحد ذاته، بل في السلوك والالتزام بالقواعد (regler).
خارج أسوار المدرسة، لا تملك الإدارات سلطة على ما يرفعه الطلاب، أما داخل المدرسة، فغالبًا لا تكون الأعلام – أيًا كان نوعها – جزءًا من الطقوس الرسمية.
عدد من المدراء شددوا على أن يوم التخرج مناسبة لا تُنسى، لكنها تتطلب مسؤولية – ansvar، خاصة مع ما يصاحب الاحتفالات من فوضى أحيانًا.
مالمو مثالًا: الهوية كاختيار فردي
في هذا السياق، أوضحت إحدى مديرات المدارس في مالمو أن الأعلام ليست سوى أدوات رمزية، يستخدمها الطلاب للتعبير عن ذواتهم.
وترى أن الطالب “يختار أقرب رمز يشعر أنه يمثله”، سواء كان علم السويد أو علم بلد العائلة.

وفي المقابل، لا ترى طالبات مثل ليا، سارون، وإيزابيل – وهن من أصول مهاجرة – أي معنى سلبي لحمل علم غير سويدي.
تقول إحداهن: “نحن لا نتجاهل السويد، نحن نرفع مكانة أهلنا”.
المنع بدعوى منع التنمر
مع ذلك، اختارت بعض المدارس مسارًا أكثر تشددًا.
فقد قررت إحدى المدارس الثانوية الخاصة حظر رفع الأعلام الأجنبية من قبل الطلاب خلال احتفالات التخرج، مع السماح للعائلات فقط برفعها.
المدرسة بررت القرار بالرغبة في تفادي النزاعات والتنمر بين الطلاب، خاصة في بيئات مدرسية متعددة الخلفيات.
السؤال المفتوح
وسط هذا الجدل، يبقى السؤال مطروحًا بقوة داخل المجتمع السويدي، وخصوصًا بين العائلات من أصول مهاجرة:
إذا كنت مواطنًا في السويد، هل تفضّل أن يرفع ابنك أو ابنتك علم السويد في يوم التخرج؟
أم علم البلد الذي يحمل قصة العائلة والرحلة إلى هنا؟
سؤال لا يملك إجابة واحدة، لكنه يعكس بوضوح كيف أصبحت الهوية في السويد اليوم مساحة تفاوض لا حسم.









